الغموض يلف المشهد السياسي في تونس بعد تمديد سعيّد تعليق أعمال البرلمان “حتى إشعار آخر”

نارمين محمدوك
سياسة
الغموض يلف المشهد السياسي في تونس بعد تمديد سعيّد تعليق أعمال البرلمان “حتى إشعار آخر”
d6ce28653571c6592d28b375f4be78f881cd1e10 - موقع النهار نيوز الاخباري

نشرت في: 24/08/2021 – 16:52

كما كان متوقعا، قرر الرئيس التونسي قيس سعيّد تمديد تعليق عمل البرلمان مع انقضاء مهلة الثلاثين يوما للإجراءات الاستثنائية وفق مقتضيات الفصل 80 من الدستور. ولكن ما يثير الاهتمام في قرار سعيّد الجديد هو إشارته إلى أن هذا التمديد يبقى ساريا “حتى إشعار آخر” ما يبقي الغموض سائدا فيما يتعلق بمستقبل النظام السياسي في البلاد وما إذا كان سعيّد حسم أمره بتغييره.

لم يكن قرار الرئيس قيس سعيّد تمديد تعليق عمل البرلمان مفاجئا لمعظم مراقبي الشأن التونسي. فمنذ أيام قليلة، صرح سعيّد أن “لا عودة للوراء” كما رفض تقديم خريطة طريق لإنهاء التدابير الاستثنائية التي استند فيها على الفصل 80 من الدستور.

ولعل أهم ما رشح من بيان الرئاسة التونسية الذي صدر مع انقضاء مهلة الثلاثين يوما التي تحدث عنها نفس الفصل المتعلق بالتدابير الاستثنائية في حالة “الخطر الداهم” هو إشارته إلى هذا التمديد يبقى ساريا “حتى إشعار آخر”.

وإبقاء الوضع على ما هو عليه يفتح الباب أمام سيناريوهات كثيرة فيما يتعلق بمستقبل البلاد السياسي خصوصا مع عدم رغبة سعيّد في إجراء أي مشاورات أو حوار بشأنه وعدم استقباله لأي طرف سياسي منذ خطوة 25 يوليو.

أستاذ القانون العام بالجامعة التونسية خالد الدبابي يرى أن ما يثير القلق من الوجهة القانونية والدستورية هو عدم تحديد مدة التمديد وإبقائها حتى إشعار آخر ويضيف: “تمديد تعليق أعمال البرلمان كان متوقعا، لكن القرار الجديد بدون تحديد سقف زمني والمدة النهائية للفترة الاستثنائية يبقي ضبابية على المشهد، رئاسة الجمهورية في حاجة لتقديم رؤية واضحة للمرحلة المقبلة”.

ولعل ما يؤكد أن سعيّد غير عازم على إعادة العمل بالمؤسسات المعلقة هو إقالته لعدد كبير من المسؤولين في الدولة من المحسوبين على منظومة الحكم الحزبية كما شملت الإعفاءات والإيقافات الهيئات الدستورية المستقلة على غرار هيئة مكافحة الفساد التي أخلي مقرها وأقيل كاتبها العام ووضع رئيسها الأسبق شوقي الطبيب رهن الإقامة الجبرية.

“الرئيس يملك زمام المبادرة”

“قرار تجميد البرلمان في 25 يوليو هو مناورة قانونية من سعيّد يعني حله عمليا وليس من الوارد استئناف أعماله في المستقبل” يقول الدبابي قبل أن يضيف “رئيس الجمهورية يملك زمام المبادرة الآن وبإمكانه تعيين حكومة بدون عرضها لنيل الثقة أمام البرلمان. ولكنه لم يقدم إلى الآن رؤيته فيما يتعلق بمآل دستور 2014 أو فكرة تقديم دستور جديد”.

سعيّد قدم نفسه أيضا كطرف أساسي في نجاح البلاد في التقدم بتلقيح المواطنين بعد أن كانت البلاد تسجل أعلى معدل وفيات بفيروس كورونا في المنطقتين العربية والأفريقية. ولا تتوانى صفحة الرئاسة على فيس بوك عن نشر سيل المساعدات الطبية والتبرعات بملايين جرعات التطعيم من كثير من الدول.

فقرارات أستاذ القانون الدستوري يوم 25 يوليو الماضي لاقت ترحيبا من شق واسع من الشارع التونسي. ويعطي نجاح حملة التطعيم وتقديم نفسه كطرف قادر على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة منذ عقد من الزمن ورئيس حريص على محاربة الفساد، مشروعية أكبر لقراراته المستقبلية التي تتجه بالأساس إلى تعديل النظام السياسي ليصبح رئاسيا وفق مراقبين.

للمزيد – تونس: قيس سعيّد وحصاد عامين من الخلافات السياسية مع الأحزاب والبرلمان والحكومات

ويذكر الدبابي أن التوجه للاستفتاء لتعديل الدستور يحتاج موافقة البرلمان لكن في ظل تجميد أعمال البرلمان فإن “الفرضية الأقرب هي أن الرئيس سيقر الذهاب إلى استفتاء كتدبير استثنائي ضمن إجراءات 25 يوليو”.

في المقابل، يرى الدبابي أن انفراد الرئيس باقتراح استفتاء لتعديل الدستور الحالي أو تقديم دستور يحتاج إلى التشاور مع جميع الفاعلين السياسيين: “لا نعلم تصور الرئيس للنظام السياسي، يهمنا أن نعرف مشروع الرئيس فالأمر يتعلق بدستور يجب أن ترى كل الأطراف نفسها فيه، فإذا كان سعيّد يملك زمام المبادرة لتعيين حكومة جديدة فإن تنقيح الدستور لا يتطلب انفرادا بالرأي والتصورات”.

ضغوط محلية ودولية

وتبقى مسألة خريطة طريق سياسية لمرحلة ما بعد الإجراءات الاستثنائية المطلب الملح للفاعلين المحليين والخارجيين.

هنا، يرى رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي عدنان منصر أن الرئيس “قطع اليقين بمزيد الشكوك” ويوضح “الجميع كان ينتظر أن يعلن الرئيس عن تعيين رئيس حكومة جديد توازيا مع تمديد الإجراءات الاستثنائية المتوقع، فالبيان الذي صدر في وقت متأخر ليلة البارحة جاء شديد الاقتضاب وحتى أنصاره كانوا ينتظرون أن يلقي خطابا، ولعل ما يفسر اعتراف الرئيس بترقب الناس لإجراءات لـ”توضيح الطريق” هو وعده بتقديم بيان جديد قريبا”.

وكان الاتحاد التونسي للشغل، الذي يملك ثقلا سياسيا وازنا في البلاد، أول من طالب سعيّد بالحوار وتقديم جدول زمني لمرحلة ما بعد تفعيل الفصل 80 من الدستور تحدد بمقتضاه أهداف “التدابير الاستثنائية” من أجل ” لعودة في الآجال إلى السير العادي لمؤسسات الدولة” ومدة تطبيقها والإسراع بإنهائها “حتى لا تتحول إلى إجراء دائم”.

ويرى منصر أن الرئيس أبدى رفضا قاطعا عرض خارطة طريق في رد مباشر على اتحاد الشغل عندما قال: “من يريد الخرائط فليبحث عنها في كتب الجغرافيا”.

ويقدر منصر، أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية، أن الرئيس “أصبح يعامل المنظمات الوطنية بنفس الطريقة التي يعامل بها الأحزاب، فهو يعتبر أن العاهات الموجودة في الساحة الحزبية تنطبق على المنظمات الوطنية، وحتى في صورة فتحه باب الحوار، فإنه سيكون بغية إخراج قناعاته على أنها حصيلة للتشاور وليست رغبته الفردية”.

وخلال لقاء جمعه بسعيّد، قال مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جاك سوليفان أنه حض الرئيس التونسي على “تشكيل حكومة بأسرع وقت يقودها رئيس وزراء قادر على تحقيق الاستقرار في الاقتصاد التونسي ومواجهة جائحة فيروس كورونا ووضع خطة للعودة السريعة للمسار الديمقراطي في بلاده”.

ولكن رغم مرور شهر على خطوته، لم يعين سعيّد رئيس وزراء جديد واكتفى بتعيين مكلفين بتسيير الوزارات التي أقال المسؤولين عنها.

ويرى مراقبون أن سعيّد نفسه لا يملك في ذهنه أفقا واضحا للمرحلة المقبلة رغم أن معظم التكهنات تشير إلى أنه يتجه نحو تنظيم استفتاء بشأن تعديل نظام الحكم ليصبح رئاسيا مطلقا يكتفي فيه البرلمان بالدور التشريعي بعد أن كانت الائتلافات الحزبية البرلمانية هي التي تعين رئيس حكومة بصلاحيات تنفيذية واسعة وتمنحه الثقة.

في هذا الصدد يردف منصر قائلا: “من المحتمل أن الرئيس لا يعرف ما الذي يجب أن يعلنه أو أنه يرى أن الوقت غير مناسب لذلك. هناك تخوف من ضغوط ما تجعله مجبرا على التراجعات وهو الآن مجبر على التريث. حتى الأحزاب التي تظهر في العلن مساندتها لقراراته يوجد بداخلها نقاش حول الموقف من قرارات محتملة للرئيس. بالإضافة للمواقف الدولية التي تنتظر خارطة طريق واضحة ولعل أبرزها الموقف الأمريكي وهي مواقف لها تبعاتها ما يجعل الرئيس لا يريد اتخاذ قرارات يجد نفسه محرجا بالتراجع عنها فيما بعد.

ضعف المبادرات الحزبية

حزبيا، لم تتقدم معظم الأحزاب السياسية بمبادرات ذات شأن في خضم تجميد عمل البرلمان وبدت كأنها تنتظر الخطوة المقبلة للرئيس الذي انفرد بحيز هام من مؤسسات الدولة.

ويقدر منصر أن كل الأحزاب ما زالت في مرحلة الصدمة بسبب قرارات الرئيس: “هناك نقاش داخلها بشأنها وصلت إلى حد الانقسامات على حزب التيار الديمقراطي. معظم الأحزاب تنتظر توضح الرؤية وأعتقد أن صوتها سيكون أعلى حينها”.

ومع مضي سعيّد قدما في احتكار السلطتين التنفيذية والتشريعية، خففت حركة النهضة، أحد أهم أضلاع الحكم طيلة العشرة أعوام الماضية، من نبرة خطابها تجاهه ولم تعد تصف خطوته بـ”الانقلاب” وتطالب بحوار لضبط رزنامة المرحلة.

وتعيش الحركة الإسلامية وقع أزمة داخلية أضعفت من قدرتها على المناورة ولعل أبرز تجلياتها ارتفاع أصوات داخلها بعزل رئيسها راشد الغنوشي.

آخر التطورات المثيرة للاهتمام داخل الحركة هو حل الغنوشي للمكتب التنفيذي للحزب الذي يملك صلاحيات تنفيذية وتقريرية واسعة بصلب الحركة الإسلامية في خطوة ينظر إليها مراقبون على أنها محاولة من رئيسها لتهدئة سيل الانتقادات الداخلية التي يواجهها.

“هناك محاولة لامتصاص الصدمة وإعادة ترتيب البيت الداخلي والتلاؤم مع الظرفية الجديدة، لم يعد بمقدور قيادة الحركة اتخاذ أي خطوات إلى الأمام” يقول منصر.

ودار آخر اجتماع لمجلس الشورى الذي يمثل أعلى سلطة تقريرية في الحزب في جو مشحون رشحت منه أصوات معارضة للغنوشي بدون أن يصدر عنه أية قرارات مهمة.

في المحصلة، يبقى الأفق السياسي في البلاد ضبابيا مع عدم تقديم سعيّد لأي خطة واضحة لا على المدى القريب أو المتوسط فيما تلقي الاستحقاقات المالية والاقتصادية المستعجلة بثقلها على البلاد.

عمر التيس

الخبر نقلا عن www.france24.com

رابط مصدر الخبر

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة